الآلوسي
183
تفسير الآلوسي
وعبادتكم إياهم وذلك بأن يقدر الله تعالى الأصنام على الكلام فيقولون لهم ما كنتم إيانا تعبدون أو يظهر من حالها ظهور نار القرى ليلا على علم ما يدل على ذلك ولسان الحال أفصح من لسان المقال ، ومن هذا القبيل قول ذي الرمة : وقفت على ربع لمية ناطق * يخاطبني أثاره وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه * تكلمني أحجاره وملاعبه وإن كان المدعوون الملائكة ونحوهم فأمر التكلم ظاهر ، وقد حكى الله تعالى قول الملائكة للمشركين في السورة السابقة بقوله سبحانه : * ( ويوم نحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ) * ( سبأ : 40 ، 41 ) * ( وَلاَ يُنَبِّئُكَ مثْلُ خَبير ) * أي لا يخبرك بالأمر مخبر مثل مخبر خبيراً خبرك به يعني به تعالى نفسه كما روي عن قتادة . وغيره فإنه سبحانه الخبير بكنه الأمور ، وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون غير مختص أي لا يخبرك أيها السامع كائناً من كنت مخبر هو مثل الخبير العالم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، والمراد تحقيق ما أخبر سبحانه به من حال آلهتهم ونفى ما يدعون لهم من الإلهية . وقال ابن عطية : يحتمل أن يكون ذلك من تمام ذكر الأصنام كأنه قيل : ولا يخبرك مخبر مثل من يخبرك عن نفسه وهي قد أخبرت عن أنفسهما بأنها ليست بآلهة ، وفيه من البعد ما فيه . * ( ياأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ واللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ) * . * ( يَا أَيُّهَا الناسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إلَى الله ) * في أنفسكم وفيما يعن لكم من أمر معهم أو خطب ملم ، وتعريف الفقراء ) * للجنس أو للاستغراق إذ لا عهد ، وعرف كذلك للمبالغة في فقرهم كأنهم لكثرة افتقارهم وشدة احتياجهم هم الفقراء فحسب وأن افتقار سائر الخلائق بالنسبة إلى فقرهم بمنزلة العدم وذلك قال تعالى : * ( وخلق الإنسان ضعيفاً ) * ( النساء : 28 ) ولا يرد الجن إذ هم لا يحتاجون في المطعم والملبس وغيرهما كما يحتاج الإنسان وضعفهم ليس كضعفه فلا حاجة إلى إدخالهم في الناس تغليباً على أنه قيل لا يضر ذلك إذ الكلام مع من يظهر القوة والعناد من الناس ، والقول أن القصر إضافي بالنسبة إليه تعالى لا يخفى ما فيه ، وقال صاحب الفرائد : الوجه أن يقال والله تعالى أعلم المراد الناس وغيرهم وهو على طريقة تغليب الحاضر على الغائب وأولى العلم على غيرهم ، وهو بعيد جداً . وقال العلامة الطيبي : الذي يقتضيه النظم الجليل أن يحمل التعريف في الناس على العهد وفي الفقراء على الجنس لأن المخاطبين هم الذين خوطبوا في قوله تعالى : * ( ذلكم الله ربكم له الملك ) * ( فاطر : 13 ) الآية أي ذلكم المعبود هو الذي وصف بصفات الجلال لا الذين تدعون من دونه وأنتم أشد الخلائق احتياجا إليه عز وجل ولا يخلو عن حسن * ( وَاللَّهُ هُوَ الْغَنيُّ ) * عن كل شيء لا غيره * ( الْحَميدُ ) * المنعم على جميع الموجودات المستحق بانعامه سبحانه للحمد ، وأصله المحمود وأريد به ذلك على طريق الكناية ليناسب ذكره بعد فقرهم إذ الغني لا ينفع الفقير إلا إذا كان جواداً منعماً ومثله مستحق للحمد ، وهذا كالتكميل لما قبله كما في قول كعب الغنوي : حليم إذا ما الحلم زين أهله * مع الحلم في عين العدو مهيب ويدخل في عموم المستغنى عنه المخاطبون وعبادتهم ، وفي كلام الطيبي رائحة التخصيص حيث قال ما سمعت